تطرح الكاتبة عائشة دوران يلماز، أستاذة التربية في مرحلة الطفولة المبكرة بجامعة أديامان في تركيا، تساؤلات حول الجدل المثار بشأن ارتداء الحجاب في المدارس الأذربيجانية، مشيرةً إلى أن النقاش حول ملابس الفتيات المسلمات ينبغي أن يبدأ بالاستماع إلى الفتيات الواقفات عند بوابات المدارس، لا بالجدل النظري بين الكبار حول العلمانية والدين والحرية.


وبحسب مقال الرأي الذي نشره موقع ميدل إيست آي، فإن تعديلًا أُدخل الشهر الماضي على قواعد الزي المدرسي في المدارس الحكومية بأذربيجان، بهدف تنظيم متطلبات مرتبطة بالطابع العلماني للتعليم، أثار جدلًا واسعًا، لا سيما مع تداول تقارير عن منع فتيات مسلمات من دخول المدارس بسبب ارتداء الحجاب، ثم صدور قواعد تنظم ملابس المعلمين خلال الشهر الجاري. وتؤكد الكاتبة أن الفارق بين نص اللوائح وكيفية تطبيقها داخل المدارس قد يترك آثارًا عميقة على الأطفال المعنيين.

 


الحجاب في المدارس الأذربيجانية.. بين العلمانية والهوية الدينية


توضح يلماز أن مطالبة فتاة بخلع حجابها قبل دخول المدرسة لا تتعلق بمجرد اختيار الملابس، بل تثير سؤالًا جوهريًا حول ما إذا كان الوصول إلى التعليم ينبغي أن يتوقف على إخفاء الهوية الدينية.


وترى الكاتبة أن النقاش لا ينبغي أن ينطلق من حجج نظرية يتبادلها الكبار، بل من الفتيات اللاتي يقفن أمام بوابات المدارس، إذ تؤثر القرارات التي تُتخذ باسم العلمانية أو الدين أو النظام العام في حياتهن اليومية، وفرصهن التعليمية، وشعورهن بالانتماء.


وتتجاوز هذه القضية حدود السياسة التعليمية في بلد واحد، لتطرح تساؤلًا أوسع: لماذا تتحول ملابس النساء المسلمات مرارًا إلى معيار للحكم على الحداثة والحرية والتقدم الاجتماعي؟


قد يرمز الحجاب إلى التدين أو الانتماء الثقافي أو الهوية الشخصية، لكنه قد يتحول أيضًا إلى أداة للإكراه في المجتمعات التي تفرض ارتداءه. ولا يصح افتراض أن هذه الدلالات تنطبق بالضرورة على كل امرأة أو فتاة.


وتشير الكاتبة إلى تناقض يظهر عندما تزعم السلطات تحرير النساء من الضغوط الدينية، بينما تفرض عليهن قواعد أخرى تتحكم في أجسادهن. فإلزام المرأة بارتداء الحجاب وإجبارها على خلعه يحدثان في سياقات تاريخية وقانونية مختلفة، لكن كليهما يستدعي التساؤل عن طبيعة الخيارات التي يُعتد بها، والأصوات التي يُسمح لها بالتعبير، والجهة التي تملك سلطة اتخاذ القرار.


وتزداد هذه المسألة إلحاحًا عندما يتعلق الأمر بالفتيات، إذ تتحول الفتاة في كثير من الأحيان إلى رمز للقيم الدينية لأسرتها أو للهوية العلمانية للدولة، بدلًا من التعامل معها بوصفها إنسانة تتشكل قناعاتها الخاصة. ولا ينبغي اختزال أي طفلة إلى مجرد رمز في صراع أيديولوجي بين الكبار.


وتؤكد يلماز أن العلمانية قد تساعد على ضمان تعلم الأطفال من مختلف الأديان معًا، من دون أن تفرض الدولة معتقدات دينية عليهم. لكن حياد المؤسسات لا يعني بالضرورة مطالبة الطلاب بإخفاء هوياتهم الدينية الفردية، ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة عندما تؤثر قواعد الزي المدرسي في انتظامهم في الدراسة.


وقد تفرض الحكومات قواعد للزي المدرسي لأسباب تتعلق بالمساواة والنظام والشعور بالانتماء، لكن هذه الأهداف لا ينبغي أن تنهي النقاش. فإذا أدت قواعد الملابس إلى استبعاد بعض الأطفال من الفصول الدراسية، وجب التساؤل عن الشروط المفروضة على حقهم في التعليم. وفي أذربيجان، لا يقتصر الاختبار الحاسم على صياغة اللوائح، بل يشمل كيفية تطبيقها والنتائج المترتبة عليها.


وتلفت الكاتبة إلى أن المسؤولين وأولياء الأمور والسلطات الدينية والمعلقين يملكون جميعًا مساحة للتعبير عن آرائهم، لكنها تتساءل عن عدد المرات التي يُسأل فيها أصلًا عن رأي الفتيات اللاتي تدور حياتهن حول هذه القضية.

 


حقوق الفتيات المسلمات.. لماذا يجب الاستماع إلى أصواتهن؟


ترى يلماز أن التعامل مع قضية الحجاب من منظور حقوقي ينبغي أن يراعي جانبين متكاملين: تأثير الضغوط الأسرية والاجتماعية في قرارات الطفلة، وحقيقة أن إجبارها على خلع قطعة من ملابسها تحت ضغط المؤسسات لا يمثل تلقائيًا فعلًا تحرريًا.


وتعترف اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل بحق الأطفال في التعبير عن آرائهم بشأن المسائل التي تؤثر فيهم، إلى جانب حريات الفكر والضمير والدين، وحقهم في الحصول على التعليم.


وتشدد الكاتبة على ضرورة النظر إلى هذه الحقوق مجتمعة، موضحةً أن الاستماع إلى الفتاة لا يعني تركها بلا حماية، بل يقتضي مراعاة قدراتها المتنامية وظروفها الخاصة.


فلا ينبغي للدول أن تتجاهل معتقدات الفتيات باسم التعليم، كما لا ينبغي أن تسمح للتفضيلات الدينية للأسرة بإسكات الأطفال. ويتمثل المطلوب في تهيئة بيئة تتيح للفتيات التعبير عن آرائهن، والحصول على الدعم، ومواصلة التعلم.


ولا يعني استبعاد فتاة من المدرسة بسبب حجابها حرمانها من يوم دراسي فحسب، بل قد يضر بعلاقاتها وثقتها بنفسها وشعورها بالانتماء، خصوصًا خلال مرحلة المراهقة التي تكتسب فيها الهوية أهمية كبيرة.


وتوضح يلماز أن المدارس ينبغي أن تكون أماكن يلتقي فيها الأطفال باختلافاتهم ويتعلمون كيفية التعايش معها. وإذا كان الهدف المعلن للتعليم هو مساعدة الفتيات على التفكير باستقلالية، والنظر في رؤى مختلفة للعالم، واتخاذ قراراتهن بأنفسهن، فإن استبعادهن من المدارس يمثل وسيلة مثيرة للقلق لتحقيق هذا الهدف.

 


حرية ارتداء الحجاب لا ينبغي أن تأتي على حساب الحق في التعليم


تؤكد الكاتبة أن الدفاع عن حرية الفتيات لا ينبغي أن يكون على حساب حقهن في التعلم، مشيرةً إلى أن ما ينبغي أن يبقى خارج بوابات المدارس ليس الحجاب، بل السياسات الإقصائية التي تحرم بعض الطالبات من دخول الفصول الدراسية.


وتعيد يلماز التأكيد على أن السؤال الأهم ليس مَن يملك سلطة تحديد ما ترتديه الفتيات المسلمات، بل لماذا نادرًا ما يُستمع إلى أصواتهن في النقاشات التي تتناول حياتهن ومستقبلهن.


وتخلص الكاتبة إلى أن حماية حقوق الفتيات تقتضي التعامل معهن بوصفهن صاحبات آراء وحقوق، لا رموزًا تتنازعها المواقف الأيديولوجية للبالغين. فالتعليم الذي يسعى إلى تعزيز الاستقلالية والتفكير النقدي لا يمكنه تجاهل أصوات الطالبات أو التضحية بحقهن في التعلم باسم الدفاع عن حريتهن.

 

 

https://www.middleeasteye.net/opinion/azerbaijan-must-not-deny-education-girls-who-wear-headscarf